الشيخ محمد رشيد رضا
90
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
ناعمين آمنين ، ؟ فعليكم يا علماء الدين والأدب ان تبينوا لامتكم في المدارس والمجالس ، حقوق الوالدين على الأولاد ، وحقوق الأولاد على الوالدين ، وحقوق الأمة على الفريقين ، ولا تنسوا قاعدتي الحرية والاستقلال ، فهما الأساس الذي قام عليه بناء الاسلام ، « 1 » وان علماء الشعوب الشمالية التي سادت في هذا العصر علينا ، يعترفون بأنهم أخذوا هاتين المزيتين ( استقلال الفكر والإرادة ) عنا ، وأقاموا بناء مدنيتهم عليهما ، وللّه در القائل منا : لاعب ولدك سبعا ، وأدبه سبعا ، وصاحبه سبعا ، ثم اجعل حبله على غاربه . وسنعود إلى هذه المسألة ان شاء اللّه تعالى قال تعالى وَبِذِي الْقُرْبى أي وأحسنوا بمعاملة ذي القربى وهم أقرب الناس إلى الانسان بعد الوالدين الذين يلونهما في الحقوق . وفي سورة البقرة ( 2 : 82 وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً وَذِي الْقُرْبى ) الخ فأعيد الجار هنا ، ولم يعد هناك . قال بعض المفسرين النكتة في ذلك أن الوصية بذي القربى مؤكدة في هذه الأمة زيادة عن تأكيدها في بني إسرائيل لان إعادة الجار للتأكيد . وعندي انه يمكن أن تكون إعادة الجار لإفادة التنويع فان الاحسان بالوالدين غير الاحسان بالأقربين إذ يجب للوالدين من الرعاية والتكريم والخضوع ما لا يجب لغيرهما . ومتى ارتقت الشرائع بارتقاء الأمة حسن فيها مثل هذا التحديد والتدقيق في الحدود والواجبات لاستعداد الأمة له الأستاذ الامام : إذا قام الانسان بحقوق اللّه تعالى فصحت عقيدته وصلحت أعماله ، وقام بحقوق الوالدين فصلح حالهما وحاله ، تتكون بذلك وحدة البيوت الصغيرة المركبة من الوالدين والأولاد ، وبصلاح هذا البيت الصغير يحدث له قوة فإذا عاون أهله البيوت الأخرى التي تنسب إلى هذا البيت بالقرابة وعاونته هي أيضا يكون لكل من البيوت المتعاونة قوة كبرى يمكنه أن يحسن بها إلى المحتاجين الذين ليس لهم بيوت تكفيهم مؤنة الحاجة إلى الناس الذين لا يجمعهم بهم النسب
--> ( 1 ) بينا حكمة ظهور الاسلام المدني في العرب دون الشعوب القريبة العهد بالمدنية كالروم مثلا في مقالة ( إعادة مجد الاسلام ) التي نشرناها في الجزء الرابع من المجلد الثالث من المنار